العربية Skip to main content Skip to accessibility links

نياز عبدالرضا - تتقن 6 لغات رغم إعاقتها البصرية

 

 تتقن 6 لغات رغم إعاقتها البصرية
عروس «معهد النور» تتخرج من الجامعة ويكرمها رئيس الوزراء

 أمام بعضهم تتراجع الكلمات خَجْلاً  لضآلتها إزاء عمق التجربة وتفوق العزيمة، وشموخ الإنجاز، ومع نياز وأم نياز ورحلة النجاح هذه يأتيك النور مشرقاً من كبد العتمة وتنبجس بيارق القوة خارج قيود الضعف، وتنفتح فضاءات لا محدودة من الحب والأمل والتعاضض على مساحات الألم والكد والمعاناه. وإن شركة الناطق إذ تفخر بأنها تسجل في قائمة أصدقائها المميزين إسم نياز وأسرة نياز، لتسعد أيما سعادة وهي  تتقدم منها ومنهم جميعاً بأحر التهاني وأطيب المنَى بمناسبة تخرج نياز من الجامعة تخصص أدب إنجليزي.

صورة نياز مع والدتها وأختها

تقرير ياسمين خلف- :صحيفة الوقت الصادرة من البحرين

لم يكن لأحد من عائلة نياز عبدالرضا البناء ليعلم بأن تلك الطفلة الجميلة ذات العينين الخضراوين واللتين تشعان بريقا ‘’مختلفا’’ ستفقد نور بصرها بعد أن تكمل عامها الأول والنصف من عمرها وللأبد إثر التهاب حاد في الشبكية، ربما ألقى اسمها ضلاله عليها فــ’’نياز’’ باللغة الفارسية يعني احتياج، فكانت ومازالت من ذوي الاحتياجات الخاصة، هكذا يطلق على ممن هم على شاكلتها، ولكن ما أن تقترب إليها تجد بأن الحقيقة أجمل بل تجعلك تنبهر بما تحمله هذه الفتاة من قدرات عجز عنها الأسوياء.
‘’
نياز’’ ذات الخمسة والعشرين ربيعا كرمها رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة في حفل التخرج الأخير لجامعة البحرين، بعد أن استطاعت أن تأخذ كرسيا لها من بين المئات، فكانت من بين أربع عشرة طالبة تفوقن في الأدب الانجليزي بمعدل تراكمي وصل الى 3,3 من أصل 4 نقاط، تطمح الى إكمال دراستها ‘’إذ ما منحني الله الصحة سأكمل دراستي’’ فنياز شاء لها بعد أن أكملت الثانوية العامة وتحدت إعاقتها البصرية أن تواجه تحديا من نوع آخر، فقدانها للحركة والتوازن واستخدامها للكرسي المتحرك بعد أن نال منها التهاب الأعصاب.
هي الابنة البكر لوالديها المهندسين ولها أختان وأخ واحد، تربت كأي طفلة عادية، هكذا قالت والدتها وهي تنظر بحنان الى ابنتها وتربت على يديها، فلم تواجهها صعوبات تذكر في تربيتها على رغم ما تعاني منه ابنتها من إعاقة، حتى إخوانها لم يسألوا يوما عن سبب كون أختهم مختلفة، فقد كانت تلعب معهم وتشاركهم النزهات والسفر، وتعاقب إذ ما أخطأت وتكافئ إذ ما أنجزت، حتى أنها لم تجد أي مشكلة في تلقيها علومها في معهد النور للمكفوفين منذ خطواتها الأولى في الروضة وحتى الثالث إعدادي، إذ تخرجت ‘’ عروس المعهد ‘’ كما يطلقن عليها المدرسات وانضمت الى المدارس النظامية، لتجد أن الأيدي ممتدة إليها من قبل الطالبات واللواتي لم يبخلن في إيصالها الى الصف ومساعدتها متى احتاجت، وإن لم تكن المناهج والكتب معدة لمن هم في مثل إعاقتها، فكانت والدتها خير معين في تلك الأزمة، فكانت تقرأ لها الدروس وتسجلها على أشرطة فيما كانت ‘’نياز’’ تطبعها على آلة برايل وتعيدها للمراجعة حتى نالت شهادتها الثانوية وأخذت طريقها للجامعة ‘’طبعت المنهج كاملا بآلة برايل وأهديتها لأخرى كفيفة بعد أن تخرجت’’ متعاونة ومحبة للخير، فأصبحت محبوبة لدى الجميع.
في الجامعة وحيث إن المناهج التي لم تراع أن هناك من يفقد بصره ويجلس على كرسي الدراسة، وجدت والدتها بأن لا حيلة لها لتصل ابنتها الى ما تطمح إليه من نيل الشهادة الجامعية غير أن تذهب معها للجامعة وتنتظرها خارج القاعات الدراسية إلى أن تنتهي لترجع للمنزل وتقرأ لها المحاضرات وتسجلها على شرائط لتعيدها وقت المراجعة حتى مضت سنون الدراسة ونالت شهادتها وتسلمتها من يد رئيس الوزراء ‘’الرسائل النصية والتلفونات لم تهدأ من المهنئين بتخرجي’’.
ذاكرة الصوت والخيال..
للذكريات صور ربما في حالة نياز لم تأخذ ملامح محددة، ولكنها ذاكرة صوت وخيال، كأحلامها تماما والتي لا ترى شخوصها، ولكنها تسمعهم وتحادثهم، تتذكر كيف أنها سلمت باقة الورد للراحلين المغفور لهما الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد والملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية ‘’ طيب الله ثراهما ‘’أثناء افتتاح جسر الملك فهد، وكيف كانت تشارك باقي الطالبات في العزف على آلتها المفضلة ‘’المولديكا’’ وكيف كانت تشدو في ‘’كورال’’ المدرسة وترسم وتلعب الشطرنج في طفولتها.
تضحك ببراءة وهي تسترجع ذكرياتها في معهد النور للمكفوفين، وتقول كانت إحدى الكفيفات تكرهني وهي هندية الجنسية، وحدث وأن قالت لي يوما بأنها تكرهني باللغة الإنجليزية، فما كان مني كردة فعل لا إرادية إلا أن أخذها وأطرحها أرضا، لأتلقى عقابا بشد أذني من قبل المدرسة وبقوة آلمتني’’. قالت ذلك وهي تضع يدها على أذنها كما لو كانت المدرسة فعلا تشد أذنها وتتألم ‘’. تستلم أختها فاطمة الحديث وتذكرها بحادثة لهما أثناء الطفولة حين أرادت فاطمة أن تلعب مع نياز وأخيهما محمد بالكرة عبر رميها من أعلى الدرجة الى أسفله، فرفضت نياز ودفعت أختها فاطمة من أعلى الدرج..هكذا هي شقاوة الأطفال في أي منزل وأي زمان.
التغني بلغات العالم
الرب عندما يحرم الإنسان من نعمة يعوض صاحبها بألف نعمة، هكذا نقول نحن المسلمين، وهكذا تترجمها قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، فنياز تتكلم بالإضافة الى اللغات العربية والإنجليزية والفارسية، تتحدث اللغات اليابانية والألمانية والفرنسية وحتى السيرلانكية التي اكتسبتها من الخادمات في المنزل، حيث تحب أن تخالطهم، وحدث أن ألقت كلمة بالياباني في حفل السفارة اليابانية أمام السفير الياباني وترجمتها باللغة الإنجليزية، كما تعشق الكيمياء وتحفظ المعادلات الكيمائية، ولولا إعاقتها البصرية لكان اختارته تخصصا لها في الجامعة، كما أنها تحب التزود بجميع أنواع الثقافة باللغتين العربية والإنجليزية وتعشق برامج المسابقات الثقافية والتي تحرص على متابعتها على القنوات الفضائية.
وفي لحظات ضعف وانكسار أمام إعاقة ابنتها لا تجد ‘’ أمينة ‘’ الأم غير الصبر الذي تستلهمه من الابنة ‘’نياز’’ فعزيمتها وصبرها طوال سنوات عمرها على العلاج والإبر وكثرة المراجعات بين المستشفيات وتخطيها الصعوبات كافة يجعلها ترفع رأسها متحدية القدر ‘’أنا أضعف وابنتي تقول لي لا تزعلي يا أمي أنا بخير ‘’بصراحة كنت مترددة في الخروج الى منصة التكريم في حفل تخرجها ومواجهة العالم، إلا أن رئيس عمادة القبول والتسجيل عيسى الخياط دفعني وذكرني بما قد ‘’ ربما ‘’ نسيته بأن نياز نموذج يفتخر به الجميع فما بال والدتها التي عاصرت تحدياتها كافة وتنتظر هذه اللحظة منذ سنوات ‘’هذا يومك يا أم نياز’’ كما قال الخياط يومها.
لطفولة نياز طعم مختلف مع والدتها والتي تؤكد بأنها لم تكن لتعاملها بطريقة مختلفة عن إخوانها، فإن أخطأت تتحمل العقاب الذي ستجنيه وذاك بالفعل ما حدث مرات، منها عندما وجدتها في الصباح وهي في السادسة من عمرها وقد قصت شعرها بنفسها وقصت بجامتها الغالية الثمن والتي جلبتها لها من بريطانيا، فنالت نصيبها من التوبيخ، تلتفت الى نياز وبنظرات انبهار تقول كانت تحس بالألوان بطريقة لم أكن لأجد لها تفسير، فحدث ذات مرة أن كنت للتو قد أخذتها من المدرسة وكنت قد تبضعت ومن تلك الأشياء كانت ميرندا ‘’المشروب الغازي’’، فحملته وهي تقول هذه ميرندا يا ماما صح؟ وحدث أن كانت إحدى دُماها ترتدي فستانا يحمل بعض النقوش ‘’غير البارزة ‘’ والتي كانت تشبه أحد ملابسها واكتشفت ذلك بنفسها وتركتني في حيرتي، تواصل ‘’هي اليوم تختار ملابسها وتناسق بين الألوان وعندما تريد التأكد من قدراتها تسألني أن كانت ملائمة مع بعضها، كما أن الحركة ودبيب الرجل وملمس الجلد والرائحة كلها علامات استشعار تهدي نياز الى الشخص حتى وأن لم يتكلم.
‘’
الكمبيوتر يفتح الأبواب’’
وكأي طالب جامعي قدمت نياز مشروع التخرج، ولكنه مختلف كونه من كفيفة وكونه حققت من خلاله الدرجة الأعلى من بين الطلبة، حيث نالت عليه درجة (A-)، فيما كان درجات الطلبة الآخرين لم تتعد C حسبما قالت.. ‘’الكمبيوتر يفتح الأبواب للمكفوفين’’ كان هذا اسم مشروعها الجامعي، حيث بينت من خلاله أنواع أجهزة الكمبيوتر المتوافرة، والتي لا يستفيد منها المكفوفون، وذاك الخاص بالمكفوفين والذي يتيح لهم التواصل عبر الرسائل والمواقع الإلكترونية.
حلمي قد تحقق باستلامي شهادة البكالوريوس على الأقل للفترة الحالية، وكم أتمنى ان أكون مذيعة في الإذاعة، هكذا قالت نياز، فضحكت والدتها وعلقت بأنها من المتواصلين مع الإذاعة وحدث مرة أنها انقطعت عن الاتصال بالإذاعة لظروف مرضها، فسأل عنها المذيع عادل بوخماس الذي زارها مع زوجته في المستشفى وأحضر باقة زهور عندما علم سبب غيابها.
وكأنها لا تنسى لأحد معروفا عندما قالت كم أكن للشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة زوجة عاهل البلاد رئيسة المجلس الأعلى للمرأة كل الشكر على دعمها للمكفوفين، عندما قدمت جهازي كمبيوتر محمول أحدهم خاص بالمكفوفين والآخر عادي يوصل به للمكفوفين في الجامعة كافة، كما قدمت لي ثلاث هدايا في فترات سابقة، والشكر موصول للشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة على دعمه لي يوم حفل التخرج عندما شد على يدي بيد أبوية حنونة وقال ‘’بارك الله فيكي يا ابنتي ‘’وباقة شكر لوالدي اللذين حتى اللحظة يسانداني ويدعماني، ‘’سامحيني يا أمي إن أتعبتك معي’’ قالتها لوالدتها أمامنا، ‘’بل أنت رفعت رأسنا يا نياز’’ وبهذه الكلمات اختتمت والدتها الجلسة

منقول من صحيفة الوقت الصادرة من البحرين
العدد 369 - السبت 6 صفر 1428 هـ - 24 فبراير 2007
رابط الخبر من على موقع الجريدة